في منتدى الطاقة الأفريقي في كيب تاون، أقرت حكومة الانقلاب رسميًا أكبر اتفاقية توريد طاقة شمسية منفردة في تاريخ القارة الأفريقية، والذي يتضمن بناء مجمع شمسي ضخم في محافظة المنيا، وهو مشروع مصمم لتزويد ما يقرب من مليون أسرة بالكهرباء مع القضاء نظريًا على أكثر من مليون طن من انبعاثات الكربون سنويًا.

 

وبينما أشاد المسؤولون الحكوميون والمعلقون بالعقد، باعتباره دليلاً على تفوق مصر السريع على نظيراتها الإقليمية في التحول نحو اقتصاد أخضر، رأت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن البيانات الصحفية الرسمية أغفلت عمدًا واقعًا جيوسياسيًا أكثر إزعاجًا.

 

وقالت إن السبب الوحيد الذي جعل الثلاجات المنزلية والمصانع وأجهزة التنفس الاصطناعي في المستشفيات في جميع أنحاء مصر تعمل طوال هذا الشهر هو استراتيجية طارئة لتأمين الوقود بتكلفة مليارات الدولارات. ويعتمد هذا الجهد بشكل كبير على خط أنابيب الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، وهو ممر طاقة كاد أن ينهار تحت وطأة الضغوط الاستراتيجية للحرب الإقليمية قبل بضعة أشهر فقط.

 

وأوضحت أن حقيقة الوضع واضحة، وهو أن مصر لا تتخلى تمامًا عن الوقود الأحفوري لصالح الطاقة الشمسية. بل على العكس، تُبرم القاهرة عقودًا للطاقة الشمسية بيد، بينما تعتمد باليد الأخرى على مصادر الطاقة الإسرائيلية الحيوية.

 

واقع البنية التحتية


على الورق، تُعدّ البيانات التي انبثقت عن حفل التوقيع في كيب تاون جوهرية بلا شك. فقد التزمت شركة صينية رائدة في مجال تكنولوجيا الطاقة الشمسية، حائزة على تصنيف ممتاز من الدرجة الأولى من شركة وود ماكنزي، بتوريد وحداتها عالية الكفاءة لمشروع "وادي الطاقة" الواقع في الصحراء المصرية.


وسيُدمج هذا المشروع الضخم مئات الميجاواط/ساعة من أنظمة تخزين البطاريات المتطورة، بتمويل كبير من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير. ويأتي هذا المشروع عقب مشروع مماثل أصغر حجمًا في أسوان، والذي يسير بخطى ثابتة نحو ربطه بشبكة الكهرباء بحلول نهاية هذا العام.

 

وأوضحت الصحيفة أن هذه المبادرات مجتمعة تساهم في تقريب المطورين بشكل كبير من إنشاء عشرة جيجاوات من قدرة الطاقة النظيفة في جميع أنحاء القارة الأفريقية خلال العقد المقبل.

 

وبالنسبة للمراقب العادي أو المستثمر الأجنبي الذي ينظر إلى الميزانية العمومية، تبدو مصر دولة ذات تفكير مستقبلي تعمل على حل عجزها الهيكلي في مجال الطاقة من خلال تسخير مورد تمتلكه بوفرة لا متناهية، ألا وهو ضوء الشمس الصحراوي، بحسب التحليل.

 

ونتيجةً لذلك، باتت المؤسسات المالية الدولية تتعامل بشكل متزايد مع تضاريس شمال أفريقيا كضمانات مصرفية قيّمة بدلاً من كونها أراضي قاحلة. ومع ذلك، عند تجريد الأمر من لغة العلاقات العامة الاحتفالية للشركات، يكشف الماضي القريب عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث لا تستطيع مصفوفات الطاقة الشمسية وحدها حل المشكلات الأساسية، لأن هذه المشكلات تتطلب مصادر طاقة أساسية لا يمكن توفيرها بكفاءة إلا من خلال الغاز.

 

التكلفة الباهظة لانقطاعات الإمدادات 


وبحسب الصحيفة، فإنه خلال أشهر الصيف الحارقة في السنوات الأخيرة، اضطرت الحكومة المصرية إلى تطبيق بروتوكولات إلزامية لتخفيف الأحمال الكهربائية على مستوى البلاد. 

 

وأسفرت هذه السياسة عن انقطاعات متناوبة للتيار الكهربائي، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يوميًا في القاهرة، ولمدة أطول في مدن صعيد مصر، حيث كانت درجات الحرارة المحيطة تتراوح غالبًا حول 50 درجة مئوية.

 

وكانت الخسائر البشرية والاقتصادية الناجمة عن انقطاعات شبكة الكهرباء هذه كارثية. فقد مواطنون أرواحهم بعد أن حوصروا في مصاعد غير جيدة التهوية خلال ساعات ذروة الحر. 

 

وانقطعت الكهرباء عن أبراج البث الخلوي بشكل متكرر، مما أدى إلى عزل أحياء سكنية بأكملها عن شبكات الاتصالات المتنقلة لساعات متواصلة. وتعطلت أفران المخابز المحلية أثناء الخبز، وأغلقت أكشاك بيع الفلافل على جوانب الطرق، والتي تعتمد كليًا على المطاحن الكهربائية، أبوابها نهائيًا.

 

ورأت الصحيفة العبرية أنه لم يكن السبب الرئيس لهذا الانهيار المنهجي نقصًا مفاجئًا في أشعة الشمس، بل كان الانخفاض الكارثي في إنتاج مصر المحلي من الغاز الطبيعي، والذي كان في دوامة هبوط مستمرة.

 

وتزامن هذا الانخفاض في الإنتاج مع ارتفاع الطلب المحلي على أجهزة التكييف إلى أكثر من أربعين ألف ميجاواط. ومما زاد من حدة النقص المادي أزمة مالية حادة، إذ تراكمت على الحكومة المصرية ديون بمليارات الدولارات لشركائها الدوليين في مجال التنقيب، مما أدى فعليًا إلى توقف جميع العمليات وترك الشبكة المحلية بأكملها عاجزة عن العمل دون آليات دعم الوقود الأجنبي.

 

مصر تعتمد على الغاز الإسرائيلي 


هذا الصيف، أكدت وزارة البترول المصرية بثقة للجمهور أن عهد انقطاع التيار الكهربائي المتكرر قد انتهى رسميًا. ولأول مرة منذ زمن طويل، بات هذا الوعد السياسي مدعومًا ببنية تحتية مادية ملموسة.

 

وتمّ وضع أربع وحدات تخزين وإعادة التغويز العائمة في مواقع استراتيجية في ميناءي العين السخنة ودمياط. وتُزوّد هذه السفن المتخصصة الشبكة الكهربائية الوطنية بقدرة استيراد هائلة جديدة للوقود المنقول بحرًا. علاوة على ذلك، سددت الدولة أخيرًا جزءًا كبيرًا من المتأخرات المالية المستحقة لشركائها الدوليين في مجال التنقيب.

 

ومع ذلك، فإن التكلفة المالية لهذا الاستقرار قصير الأجل باهظة للغاية، وهي تُبرز تحولاً هيكليًا عميقًا. لم تكن مصر تستورد الغاز الطبيعي المسال تقريباً قبل بضع سنوات. وعلى النقيض من ذلك، استوردت البلاد كميات تاريخية مؤخرًا، ويشكل الغاز المستورد الآن ما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي حجم الغاز الطبيعي الذي تحصل عليه مصر من الأسواق الخارجية.

 

وقالت إن هذا يقودنا إلى الحقيقة الاستراتيجية الأساسية التي يتردد صناع السياسات في مصر في الاعتراف بها علنًا، ولكنها تظل واضحة بشكل صارخ لإسرائيل: نسبة كبيرة من خط الأساس للطاقة في مصر مرتبطة بشكل مباشر بحقول الغاز الإسرائيلية.

 

وتابعت: "يوضح هذا الواقع أن إسرائيل بمثابة الركيزة التي لا غنى عنها لأمن الطاقة الإقليمي واستقرار الشبكة داخل هذه المنطقة الحيوية، مما يحمي جارتها من الانهيار الهيكلي الفوري خلال أوقات مستويات الضغط التشغيلي العالية".

 

تداعيات حرب إيران 


وفقًا للصحيفة، تحوّل هذا الضعف الشديد إلى واقع هيكلي في ربيع العام الماضي، عندما انخفضت شحنات الغاز الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب بنحو 80% في شهر واحد، نتيجة التطورات الإقليمية الناجمة عن المواجهة الأوسع مع إيران، والتي أجبرت على تعليق الإنتاج مؤقتًا كإجراء احترازي في المنصات البحرية.

 

بالنسبة لواشنطن والقيادة الغربية، يُمثل هذا الضعف المنهجي فرصة استراتيجية واضحة لحماية خط الأنابيب وتحقيق الاستقرار في المنطقة. تبدو المشاريع الخضراء واعدة على الورق، لكن مستقبل الطاقة الشمسية يبقى مرهونًا تمامًا بوفرة الموارد الإسرائيلية وقدرتها على الصمود الاستراتيجي، مما يُثبت أن الاستقرار الحقيقي يعتمد على شراكات إقليمية متينة مع إسرائيل بدلاً من استعراضات تطوير الطاقة الشمسية.

 

وأشارت إلى أنه يجب على المؤسسات المالية الغربية التوقف عن التعامل مع هذه الخطوط كعناصر تجارية بحتة؛ فهي شرايين حيوية للسلام الإقليمي. ويجب على مصر، في المستقبل، أن تُقرّ بأن استمرار إمدادات الكهرباء لديها يعتمد على الموارد الطبيعية الإسرائيلية، مما يُرسّخ حقيقة أوسع مفادها أن التعاون هو الاستراتيجية المستدامة الوحيدة للشرق الأوسط، في حين إن مشاريع الطاقة النظيفة لا تعدو كونها تعليقات ثانوية وتحسينات تجميلية لإخفاء حقائق نظامية عميقة تربط القاهرة بجارتها إلى أجل غير مسمى.

 

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/skpwt11nmze#google_vignette